ملفات ساخنة

محاكمة مرتكبي مجازر السويداء: السلطة تبرّئ نفسها

عامر علي - الاخبار

بالتزامن مع الذكرى الأولى لمجازر السويداء، التي وقعت في تموز من العام الماضي -عندما اقتحمت قوات حكومية وعشائرية المحافظة التي تقطنها أغلبية درزية وارتكبت فيها مجازر راح ضحيتها أكثر من 1700 شخص-، أعلنت السلطات القضائية السورية عقد الجلسة الثانية من محاكمة متورّطين في هذه المجازر، من دون أيّ نتائج حتى الآن لتلك المحاكمات التي تتمّ بناءً على تقرير قامت بإعداده لجنة سورية مسمّاة «لجنة التحقيق الوطنية». واكتفت «محكمة الجنايات العسكرية» في دمشق، التي تتولّى بعض أطراف القضية، بالإعلان عن عقد الجلسة الإثنين الماضي، من غير أيّ معلومات إضافية، في وقت ذكر فيه رئيس «لجنة التحقيق»، القاضي حاتم النعسان، أن المحاكمة تأتي في إطار استكمال المسار القضائي في حق المتهمين، ‏بحضورهم ووكلائهم، ووفق أحكام القوانين النافذة، وبما يكفل ضمانات المحاكمة ‏العادلة‎، وفق تعبيره. وأضاف النعسان أن «الجهات القضائية المتخصّصة تُواصل اتخاذ الإجراءات القانونية ‏‏اللازمة، استناداً إلى نتائج اللجنة وتوصياتها، وبما ينسجم مع مبادئ العدالة وسيادة ‏‏القانون»‎، وفق ما نقلت عنه «وكالة الأنباء السورية» (سانا).
وتُعتبر هذه المحاكمات، التي بدأت مطلع تموز الحالي، جزءاً من آلية اعتمدتها السلطات الانتقالية في سياق محاولة امتصاص الآثار السلبية للمجازر. وكانت وفّرت هذه الأخيرة لإسرائيل ذريعة غير مسبوقة لتدخّل أوسع في الملف السوري من بوابة «حماية الدروز»، الأمر الذي أفضى إلى تحوّل السويداء إلى ما يشبه «إدارة ذاتية» برعاية من تل أبيب، وسط دعوات يغذّيها المرجع الدرزي، حكمت الهجري، إلى انفصال المحافظة عن سوريا.

وجاء الإعلان عن بدء المحاكمات بالتزامن مع الذكرى الأولى للمجازر، معيداً التذكير بمجريات التحقيقات التي قامت بها اللجنة، وامتناع الأخيرة عن دخول السويداء بعد رفض الأهالي لذلك. وأمّا التقرير الذي قُدّم إلى الرأي العام، فتضمّن ما يشبه تبريراً لهذه المجازر، وإنكاراً لأيّ دور مباشر لوزارة الدفاع التي قامت بإرسال أرتالها إلى المحافظة. إذ أفاد باختصار بأن القوات الحكومية دخلت السويداء بهدف «فرض الأمن» بعد «تصاعد أعمال العنف بين البدو والدروز»، مضيفاً أن «القوات الحكومية قوبِلت بمواجهات مسلّحة وتعرّضت لعدة كمائن، إضافة إلى قصف الطيران الإسرائيلي للقوات الحكومية في المنطقة وقيادة الأركان بدمشق، ممّا تسبب في مزيد من الفوضى والأعمال الانتقامية».

يتعرّض مواطنون من الأقليات لعمليات اغتيال مستمرة

وعلى خلفية ذلك، أثار التقرير ردود فعل غاضبة في صفوف أهالي السويداء الذين رفضوا تلك الرواية، وأكدوا أن القوات التي قامت السلطات الانتقالية بإرسالها لاقتحام المحافظة بالقوة، ارتكبت مجازر. أيضاً، عرضت الفصائل المحلّية في السويداء والتي توحّدت تحت مسمى «الحرس الوطني» مقابلات مع مقاتلين أجانب تمّ أسرهم خلال المعارك، قالوا إنهم قدموا إلى السويداء بأوامر مباشرة من قادتهم الذين يتبعون لوزارة الدفاع، وكان هدفهم القضاء على الدروز.
وإلى جانب ذلك، كان عدد من مهاجمي السويداء قاموا بأنفسهم بتصوير قسم كبير من الانتهاكات التي ارتكبوها هناك، بما فيها من عمليات إعدام وتعذيب وإهانة للشيوخ والنساء. كما عمدوا إلى نشر تلك التسجيلات على مواقع التواصل الاجتماعي -على غرار ما فعل آخرون خلال مجازر الساحل السوري التي وقعت في آذار من العام الماضي-، من دون أن تتّخذ السلطات الانتقالية أيّ إجراء حقيقي ضدّهم حتى الآن.

وبشكل عام، يمكن النظر إلى ملف مجازر السويداء باعتباره سياسياً بالدرجة الأولى، وهو ما كان عبّر عنه وزير الخارجية في الحكومة الانتقالية، أسعد الشيباني، بقوله في لقاء تلفزيوني على قناة «الإخبارية السورية»، في تشرين الأول من العام الماضي، إن «السويداء فخّ وقعنا به جميعاً». ويتعزّز هذا الطابع مع إرادة إسرائيل تحويل المحافظة والجنوب عموماً إلى خنجر مغروز في الخاصرة السورية، وفق ما تدلّ عليه عمليات التوسّع الجارية في الجنوب الخاضع لسيطرة الاحتلال، سواء المباشر منه أو غير المباشر.
ومع استمرار الأزمة المتعلّقة بالسويداء التي تحاصرها القوات الأمنية السورية ويسعى من يحكمها إلى الانفصال عن سوريا والاحتماء بإسرائيل، تتعمّق الأزمة الطائفية التي تعيشها البلاد برمّتها. ويأتي ذلك على وقع تواصل بثّ خطاب الكراهية الذي تضجّ به مواقع التواصل الاجتماعي، والذي يقترن بعمليات اغتيال يتعرّض لها مواطنون من الأقليات، وبشكل خاص العلويون في الساحل السوري ووسط البلاد. ولم تفلح في الحدّ من تلك الظواهر المحاكمات العلنية التي تجريها السلطات الانتقالية بحقّ مَن تتهمهم بارتكاب انتهاكات الساحل.
والواقع أن تلك المحاكمات ليست سوى صفحة جديدة في ملفّ الإجراءات التي تتخذها السلطات أمام الجهات الدولية، في محاولة لدفع أيّ اتهام مباشر لها بالتورّط في المجازر. وفي المقابل، تؤكد الحقائق الميدانية أن هذا الملف أصبح بمجمله سياسياً؛ وهو مرتبط بالتفاهمات التي تحاول السلطات عقدها مع إسرائيل بوساطة ودفع من الولايات المتحدة. ومن شأن ذلك أن يفسّر عدم اتخاذ أيّ قرار حقيقي بمحاسبة مرتكبي الانتهاكات التي راح ضحيتها 1760 شخصاً -إلى جانب أكثر من 2000 مصاب-، في وقت تستمرّ فيه معاناة سكّان المحافظة من أوضاع إنسانية صعبة، يفاقمها الحصار المستمر عليها.

أحوال

موقع أخباري يصدر عن شركة مدنية غير ربحية في بيروت، يقدم من خلال مساحة رقمية حرة وعصرية أخبارًا سريعة، عظيمة الثقة، لافتةً للنظر، ثريةً، وتفسيرًا للاتجاهات الحالية والمستقبلية، التي تؤثر في أحوال الناس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى